اخبار بسمةاصواتهنالسلايدر

الطّرْطوكة..


بقلم: سميرة مغداد*

اشتريت منذ أيام” طْرطوكة”، وهي كلمة خاصة بطنجة وما جاورها، أو ربما منطقة الحماية الإسبانية سابقا، والكلمة تنطق بطاء رقيقة، وتعني، أو كانت تعني “منفضة سجائر”، ولا يزال الكثيرون، خصوصا من كبار السن في طنجة، والشمال عموما، يطلقون عليها اسم “الطّرْطوكة”، في إصرار جميل على حفظ نوستالجيا الماضي في ظل هذه التغيرات المقلقة.

كلمة “طْرطوكة” بالإسبانية، وليس لها إلا معنى واحد في القاموس، وهو “سلحفاة”، وبما أن السلحفاة بطيئة ووديعة ومسالمة، فقد “أهدت” البشرية قوقعتها الجميلة لكي تتحول إلى منفضة سجائر المدخنين، كما جعل منها هواة الموسيقى “كمبْري”، وهو مصطلح غاب أيضا، ويعني الغيتار الشعبي. كم هي نبيلة هذه السلحفاة.

المطفأة، أو المنفضة، التي اشتريتها لا علاقة لها بقوقعة السلحفاة، لكنها منفضة في كل الأحوال، اشتريتها لأمرين، الأول بسبب لونها  العسلي الغامق الذي  يتوسط مربعا جميلا من الزجاج الخالص، والثاني لأنها تحفظ لي ذكريات جميلة جدا مع شخص غال في الأسرة.

انتبهت لهذه “الطّرْطوكة” وسط ركام من الأدوات البالية في سوق شعبي شرق المغرب. قفزت إلى ذهني، على حين غرة، ذكرى شخص عزيز غال هو عمي رحمه الله. كنت أرى مثل هذا النوع من  المطفآت كثيرا في بيته الجميل بالرباط بداية الثمانينات، وكل مرة يشعل سيجارته الراقية ينادي أقرب الناس من الجالسين حوله “قرّْبْ لي ديك الطرْطوكة”.. ليضع” الطرطوكة” أمامه ويطفئ سجائره واحدة تلو الأخرى. كان مدخنا شرها ورجلا غزير العلم حاد النقاش في السياسة والتاريخ أساسا، يقرأ الصحف كل صباح ويغوص في كتبه باستمرار.

“الطرطوكة” كانت حاضرة في بيوت عدد كبير من أفراد العائلة، بمن فيهم والدي، وكنا جميعا نسارع إلى الإتيان بها كلما أشعل سيجارة، لكن عمي كان مستهلكا نهما للسجائر، ولا نكاد نراه أو نتصوره بدون سيجارة، فقد شكلت جزءا من شخصيته الكاريزمية.

أذكر ليالي الحديث والسمر الطويل في بيتنا واحتدام النقاش، والسخرية أحيانا من أيام الريف الأولى الصعبة. عمي خرج من حياة الفقر والهشاشة بدعم من والدي، وكافح وصار مهندسا محترما في الرباط، وكان فخرا لنا ولكل العائلة. رجل مثقف رصين وذكي.. وبيد نظيفة جدا جدا، لم يبخل على الجميع بالدعم ماديا ومعنويا. عاش نزيها عفيفا في العاصمة وسط كبار القوم وأعيان البلد، لكنه ظل ريفيا شهما يقاتل من أجل مبادئه وكرامته..

السيجارة كان تطفئ غضبه وحنقه على أوضاع لا تسره. كانت رفيقة مغرية توهمه بأنه مع كل رشفة ثمة نفس يتجدد في الحياة، لكن الأمر لم يكن كذلك، واكتشف مع مرور الوقت أن رئته خرّبها المرض الخبيث.

لم يكن أحد قادرا على ثنيه عن سجائره المؤنسة، وكأنه كان ينهل من الحياة حرائقها التي لا تطفئ في أوعية الزجاج الفاخر المسماة “طرْطوكة”، ولم تفلح حتى زوجته الطبيبة المتميزة، من ترويض رغبته الجامحة في السجائر بالنصائح الجاهزة والتحذيرات الطبية. لقد مات وقد رشف رحيق حياة دامت 59 عاما لا غير. مات شامخا كريما شيعته المحبة من كل جانب. رحل عزيزا بعد أن أنهكه المرض وأطفأته الحياة في عزها بعيدا عن أي جائحة محتملة.

هكذا تذكّرني “الطّرطوكة” بالراحل عمي.. وكيف انطفأ ذات أجل محتوم. هل قتلته السيجارة؟ هل خنق صدره بدخان مسموم ليستعجل رحيلا مناسبا يليق به قبل أن يصل أرذل العمر؟

كلنا ننطفئ ذات قدر، وقد نساهم في التعجيل بأقدارنا حين تعبث الحياة، وحين نتطلع إلى حياة أفضل بعد أن تنحبس النفس قهرا وغلبا وتنهي صلاحيتك على الأرض.

لكل عمر نهاية، ولكل منا مطفأة “طرطوكة” تخمد حياته، قبل أن تشتعل من جديد في عالم أفضل، حيث نور الله الذي لا ينطفئ أبدا.

الرحمة والسلام لكل الذين انطفأوا قبل الأوان أو على الأصح حين آن الأوان. *مديرة مكتب سيدتي بالمغرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة