غير مصنف

الملاح فضاء العيش والتعايش بين اليهود المغاربة والمسلمين


زينب الدليمي

في أزقة ضيقة تحف بمتاجر و دكاكين التوابل والحرفيين في مختلف المدن المغربية، تجد أحياء الملاح أو الأحياء اليهودية القديمة، تعج بآثار تاريخ غني لليهود المغاربة والتي تغير حالها مع هجرة السكان الأصليين، إما إلى خارج البلاد أو إلى مدن مغربية أخرى.

أحمد البهنسي دكتور وباحث مصري متخصص في الدراسات اليهودية

أكد الباحث أحمد البهنسي ل”بسمة نسائية” أن يهود المغرب، يمثلون استثناءا حقيقيا في تاريخ الجماعات اليهودية في البلدان العربية والإسلامية، فمنذ تكوينهم كطائفة لها نسق اجتماعي وسكاني وثقافي محدد ومميز في المغرب وهم يلعبون أدوارا مهمة على كافة المستويات لاسيما الاقتصادي والسياسي منها، فبالنسبة لحي الملاح تحديدا فيمثل فضاءا خاصا للطائفة اليهودية وإبراز خصوصيتها الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه فضاءا يشهد على التعايش الاسلامي اليهودي داخل المغرب ويمثل استثناءا حقيقيا بين وضعية الطوائف اليهودية في الشرق والغرب.

لقد تعددت واختلفت الروايات حول الملاح لاسيما المتعلقة بتسمية أو أصل وتاريخ نشأته، ولربما يكون هذا الاختلاف والتعدد عائدا إلى فقدان الحيادية والموضوعية في الكثير من الكتابات حول يهود المغرب وما يتعلق بهم، وخاصة حول الملاح.

وأشار الباحث أنه بالنسبة لتسمية الملاح، فالرواية الأكثر شيوعا والأقرب للمصداقية والموضوعية التاريخية، هي إطلاق هذا الاسم على أول ملاح تم بناؤه في العهد المريني عام 1438م بمدينة فاس المغربية، بمنطقة كان يجمع بها (الملح) ويخزن تمهيدا لتصديره عبر القوافل لأوروبا، حيث كانت مادة الملح تجمع في موقع عند مدخل المدينة قبل توزيعها، فكان ذلك أول تجمع خاص باليهود، ومنذ ذلك الحين تم تعميم مصطلح الملاح لتتداوله الأوساط المسلمة واليهودية في المغرب كحي محاط بأسوار عالية له في الغالب بابان ويقطنه اليهود، ثم أصبح الملاح بعد ذلك كلمة تصف كل تجمع سكاني لليهود في المغرب سواء في المدن العتيقة والكبيرة أو حتى في القرى الصغيرة والجبلية.

وأفاد أحمد البهنسي، أنه إذا وقفنا على خصوصية الملاح، فمن المهم ذكر أنه لم يكن يشتمل على دور ومنازل اليهود المغاربة فقط، بل أيضا على معابدهم ومحاكمهم ومدارسهم الدينية وجميع مؤسساتهم الخاصة عدا المقابر في بعض المدن التي كانت خارجه أو قريبة منه، فقد كان في أغلب الأحيان شكلا معماريا خاصا.

 ومن الملفت حسب  نفس المصدر، أن هناك عدة مدن مغربية عرفت تواجدا يهوديا بارزا، لكن بدون وجود ملاح مثل مدينتي وجده (شرق المغرب) والعرائش (شمال المغرب)، إذ عاش اليهود والمسلمون سويا في أحياء مشتركة لا تكاد يتم التمييز فيها بين منزل اليهودي والمسلم، فقد تجاوز الحضور اليهودي في هذه المدن نسق التعايش إلى نسق (التمازج) بشكل أصبح فيه اليهود في فترة من تاريخ المغرب يمثلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والوطني والسياسي وكانت أحياءهم تعد حلقة تواصل اجتماعي، ونقطة نشاط اقتصادية حية، وبوتقة صهر لحالة التعايش والوئام اليهودي. 

فاطمة الراوي من ساكنة حي الملاح بالرباط 

وتروي فاطمة الراوي وهي سيدة سبعينية مغربية تقطن بحي الملاح بالرباط ، أن  اليهود القاطنين بالحي، لا يمكن أ ن تفرق بينهم وبين المغاربة  وحتى بيوتهم كانت تبنى مثل بيوت المسلمين ولا ينعزل بعضها عن البعض الآخر وهي عبارة عن غرف تعيش فيها العديد من الأسر في حب وسلام كعائلة واحدة.

وأضافت فاطمة أنها تتذكر  أن أغلب الحرفيين بحي الملاح كانوا يهود وكل منتوجاتهم ذات جودة عالية، لكن أغلبهم هاجروا ولم تبق إلا ثلاث عائلات تقريبا لا يرونها كثيرا وأغلب الدور في الملاح الآن صارت قديمة جدا وآيلة للسقوط.

محمد الشرقاوي البزيوي دكتور في التاريخ المعاصر

ويقول الباحث الشرقاوي من جهته، أن اليهود في فترة ماقبل الحماية  كانوا يسكنون في أبي الجعد بالقرب من منازل الأغنياء والتجار خصوصا دروب  غزوانة والقادريين الذي كان جزءا منها بمثابة الملاح لوجود معبد صغير لهم هناك.

وأضاف الشرقاوي أن كلا من المسلمين واليهود تعاطوا تجارة الحبوب واشتهروا بصناعة الروابز  وهي آلة ينفخ بها على النار  وأيضا كصاغة متجولين وباعة الثياب،  كما كان عدد كبير من التجار الحرفيين اليهود يجولون في البوادي ويطوفون بالأسواق القروية  وعرفوا كثيرا في مجال التوابل.

فحسب بعض المصادر اليهودية كان عدد اليهود يفوق 2000،  وحسب فرضيات فقد قدم بعضهم من مكناس وهم ذووا أصول أندلسية أو  من بربر الأندلس، أو أنهم من يهود دمنات  لكنها تبقى كلها مجرد فرضيات، المهم فيها هو استقرارهم في المدينة ومشاركتهم في تكويناتها الاجتماعية غيرهم كباقي سكان المدينة.

 وتابع الشرقاوي أن تجارب التعايش بين اليهود والمغاربة كان له انعكاس بشكل أساسي على البعد الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والعيش في وئام تام وتعايش وثيق مع اليهود بأبي الجعد، كما توجد  أيضا ب”أبي الجعد” أضرحة تضم رفات صلحائهم وأتقيائهم ك”رابي لوي هلوي”و”مولى غيغة”، و”المقبرة اليهودية”وقد كان من بين أهم الشخصيات الدينية والاجتماعية التي كانت تشغل مكانة اجتماعية متميزة لدى طائفة أبي الجعد اليهودية الشيخ أبراهام والحزان يوسف، وكانوا يعطون للاحتفالات الدينية أهمية قصوى، حيث إن أغلب شعائرهم كانت تمارس في معبد وجد بدرب القادريين في المدينة العتيقة في جزء منه سكنوا فيه ولا يزال يسمى بالملاح.

أمسلم سارة يهودية مغربية من وجدة

وفي ذكريات جميلة ربطتهم مع المسلمين  المغاربة بأحياء الملاح تبوح، سارة أمسلم، أنها يهودية مغربية من مواليد1957بمدينة فكيك، والدها كان يشتغل في تجارة الصوف وفي سن الحادية عشرة “تقول سارة “إنها انتقلت  هي والعائلة من مدينة فكيك إلى مدينة وجدة وأكمل والدي نفس المشوار المهني الذي مكننا من العيش بكرامة وسط إخواننا المغاربة ولا فرق بيننا أبدا لدرجة أننا كنا نلعب مع بعض ونتناول الطعام معا ونتبادل الزيارات  والأكثر من ذلك أن إحدى أخواتي تزوجت بمسلم مغربي وعاشوا حياة سعيدة.

وأشارت سارة أنها اشتغلت في قطاع التعليم قائلة: كان لي الشرف أن أربي أجيالا وأساهم في بلدي بما قدرني الله عليه  فأجدادي وأهلي ولدوا هنا وتوفوا هنا  ونحن مغاربة قلبا وقالبا ومايفرح المغاربة يفرحنا ومايحزنهم يحزننا.

وخلاصة القول فالوجود اليهودي بالمغرب قديم قدم اليهودية، حيث ترجح العديد من الدراسات أن قدومهم إلى شمال افريقيا جاء أعقاب خراب الهيكل الأول في عام 586 ق.م ويوجد بالمغرب نحو 36 معبدا يهوديا وعدد هام من الأضرحة والمزارات في مختلف مناطق المغرب. كما يداوم  آلاف من اليهود المغاربة بإسرائيل على زيارته سنويا، والمشاركة في مواسم الحج للأولياء والأضرحة، ومن أشهرها مواسم “الهيلولة” و”ميموتة” وعيد “حانوكا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة