اخبار بسمةالسلايدرفيديوهات

“قاعة السمن بسلا” الموقع الأثري الذي انبعث من رماد النفايات


خاص/ بسمة نسائية/

-عزيزة حلاق

-زليخة أسبدون

حين كنا نمر عبر زقاق قيسارية “الذهايبية” كما يسميها السلاويون، لم يكن أحد منا يتخيل، أن “الخربة الركنية الموحشة” المعروفة ب”بقاعة السمن”، التي كانت مرتعا للأزبال والنفايات ومأوى للسكارى والشماكرية و المشردين، وكل من لفضته الحياة و لاحته الأقدار إلى عالم التيه والضياع، تخفي في متنها موقعا أثريا يعود إلى قرون خلت ويحتفظ في أحشاءه بالكثير من الآثار الكامنة والأسرار الدفينة.

يتذكر أحد السلاويين، من من كانوا يقطنون بزنقة “رأس الشجرة”،  أنه كان وأطفال الأزقة المجاورة يعرف هذا المكان، حيث كان بالنسبة لهم في السيتينيات والسبعينات القرن الماضي، ملجأ لمغامراتهم الطفولية، ويقول إنه كان وأقرانه ينزلون إلى القبو الذي يصفه كما وجد اليوم، عبارة عن دهليز طويل يتخلله ثقب منه يتسللون ومنه تدخل أشعة الشمس والضوء والهواء.

ويحكي لبسمة نسائية، السيد عبد الخالق، وهو المسؤول عن ورشة البناء في الموقع، التابعة للشركة التي تكلفت بترميم القاعة في إطار المشروع الكبير لتهيئة المدينة العتيقة، أنه قبل سنة من اليوم، وربما أكثر، وبينما كان هو والعمال منهمكين في حفر على مستوى المدخل، أثار استغرابه، وجود هذا القبو، الذي يبعد عن مستوى أرضية المكان بأمتار، ولا يمكن النزول إليه، إلا باستعمال سلم. ومباشرة بعد هذا الاكتشاف الغريب بالنسبة إليه، اتصل بالشركة المسؤولة عن الأشغال، التي يعمل بها، وأخبرهم بما وجد، فاتصلت الشركة بدورها بالسلطات وحضر الجميع في يوم مشهود ليقفوا على هذا الاكتشاف ويقرروا إيقاف الأشغال إلى حين انتهاء البحث من قبل المهتمين والمختصين.

ومع نهاية يونيو المنصرم، أعلن رسميا عن اكتشاف هذا الموقع الأثري بقلب مدينة سلا القديمة، بإشراف من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث والمديرية الجهوية لقطاع الثقافة بجهة الرباط سلا القنيطرة، وتمت الاستعانة بشركة مختصة في المجال.

“بسمة نسائية” كانت لها فرصة زيارة الموقع، والنزول إلى القبو، بمبادرة من الصحفية والمصورة زليخة أسبدون، التي كانت لها الشجاعة كعادتها لتغامر وتنزل عبر ثقب لا يتعدى متر مربع بمساعدة العمال وباستعمال سلم خشبي، ونقلت لنا صور مدهشة، لعالم تحت أرضي، يخفي الكثير من الأحداث والقصص مرت من هنا.

ولعل أبرزها، قصة التوقيع المنقوش على الحائط، بتاريخ 1670، باسم الكاتب الفرنسي جيرمان مويت. (الصورة).

فمن يكون جيرمان مويت هذا؟

من خلال بحث بسيط، وجدنا أن جيرمان مويت، هو كاتب فرنسي، اختطف من قبل قراصنة سلا، في عهد السلطان مولاي إسماعيل، لمدة أحد عشر سنة. وهو ما يعني حسب التوقيع الذي عثر عليه، أن مويت كان أسيرا و عاش لسنوات في موقع القاعة وهو ما يفسر توقيعه على الحائط.

وهو ما ذكره في سرده لسيرته الذاتية، حين كتب، أنه في 16 شتنبر 1670، كان ضمن طاقم سفينة تجارية، أبحرت من ميناء دييب الفرنسي، في رحلة نحو الهند الغربية.

 و بعد شهر من انطلاق الرحلة، تمت قرصنة السفينة من طرف سفينتين سلاويتين، و أسر طاقمها (40 رجلا و 4 نساء) و تم اقتياده إلى معقل القراصنة في مصب نهر بورقراق.

 و بيع الأسرى في سوق النخاسة بالرباط، في الموقع المعروف، حاليا بباب القنانط. وتناوب على ملكيته مجموعة من الأسياد، واشتغل لديهم كخباز وعامل إسطبل وبناء. واشتغل أيضا في مرسم أحد الأعيان المسلمين (الذي سماه بوجيمان في كتابه)، و الذي كان يمتهن الرسم والنحت على الجبس، وهي الفترة التي تعلم فيها العربية والإسبانية (التي كانت لغة الجالية الموريسكية. وهو ما يؤكده في تصريح لهيسبريس، لحسن تاوشيخت، رئيس فريق البحث الأثري ورئيس شعبة الآثار الإسلامية بمعهد الآثار والتراث، حين تحدث عن المرحلة الثانية للموقع ،  و قال:” تعود هذه المرحلة إلى القرنين الـ16 والـ17 الميلاديين، حيث “تحولت وظيفته من مخزن للمؤونة، إلى سجن للأسرى الأجانب المعتقلين بالسواحل المغربية، في فترة “الجهاد البحري” أو ما يسميه الغرب “قراصنة سلا”، حيث كان يرافق محاربة الأجانب الذين يحاولون السيطرة على الشواطئ المغربية، أسر بعضهم، وكان هذا مكانا لسجنهم، وهو ما وجدنا دلائل عليه بنقوش أسماء أجنبية مكتوبة بحروف لاتينية وبجانبها التاريخ 1671، (ويقصد توقيع مويت)،  وهي الفترة التي أصبحت فيها سلا تحت نفوذ الدولة العلوية.

وبحسب تصريحات صحفية للفريق المشرف على الحفريات، فإن الموقع المكتشف، مر بأربعة مراحل ، كان في بدايته مخزنا سريا للدولة للحفاظ على المؤونة، ثم سجنا للأسرى الأجانب، ثم سوقا ومكانا للنسيج، فمكبا لأتربة ونفايات الساكنة السلوية. قبل أن تكتشف صدفة  قيمته التاريخية، التي يقول عنها لحسن تاوشيخت:”إن هذا الاكتشاف “كنز أثري جديد غير مسبوق وغير معروف بمدينة سلا وباقي الحواضر والعواصم المغربية الكبرى، لضخامته ودقة بنائه”.

بعد هذا الاكتشاف غير المسبوق، يطرح من جديد السؤال الذي يؤرق المجتمع المدني السلاوي، وعبر عنه لبسمة نسائية، الشاب الذي التقيناه بعين المكان، اسماعيل زنيبر وهو طالب بشعبة الحقوق بجامعة “سوربون” بباريس وباحث في التاريخ ومهتم كفاعل جمعوي بتراث مدينة سلا، والذي عبر عن اعتزازه بانتماءه أولا إلى هذه المدينة العريقة، مشيرا إلى أن هذا الاكتشاف الأثري يضاف إلى اكتشافات سابقة، وأكيد ستكون هناك اكتشافات لاحقة، تعكس العمق التاريخي لهذه المدينة العريقة، التي أصبحت  في حاجة إلى متحف كبير أو اثنين، لعرض كل ما هو أثري وتاريخي وتراثي بالمدينة، مثلا متحف للأدوات الفخارية والأشياء التي تم اكتشافها بدار الباشا/ دار البارود / دار الصناعة منذ سنتين والتي بدأت بها الأشغال لكنها للأسف توقفت.

https://www.youtube.com/watch?v=t7zzZWpvkoI&t=17s

فالمتاحف، والثقافة والاهتمام بالتراث وتوظيفه في تنمية المدينة يقول إسماعيل، هي التي ستزيد من اهتمام السياح من داخل المغرب وخارجه وتساهم في إنعاش السياحة بالمدينة، وهي في اعتقاد المتحدث لا يمكن أن تتحقق إلا بوضع استراتيجية واضحة لتثمين هذا الموروث التاريخي والتراثي بإشراك المجتمع المدني المهتم بهذا المجال.

تساؤل اسماعيل، يجد الجواب في تصريح رئيس فريق البحث الأثري، الذي أكد أن الموقع سيدمج بعد ترميمه وصيانته، ضمن الفضاء الثقافي السياحي للمدينة، لعرض كل ما اكتشف من لقى أثرية، وعرض بعض الأشرطة ربما، واستغلاله في أنشطة أخرى، ليصبح مكانا يوثق  لذاكرة سلا، ولينشطها من الناحية الثقافية والسياحية.

https://www.youtube.com/watch?v=OBPOzg3p67o&t=12s

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة