اخبار بسمةالسلايدر

من أجل أن تظل نقابة الصحافة خيمة لكافة الصحفيين

 

د.جمال المحافظ باحث في الإعلام والاتصال

 

على هامش المؤتمر الأخير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية الذي انعقد في مراكش ما بين 21 و23 يونيو الجاري تحت شعار “حرية الصحافة وأخلاقياتها أساس المهنية”، وتعميما للفائدة، ننشر هذه الورقة القيمة، حول مسار هذه المؤسسة النقابية، والدور الذي يجب أن تلعبه للحفاظ على نبل هذه المهنة والدفاع عن حقوق المنتسبين لها، الورقة من توقيع الصحفي والباحث جمال المحافظ.

كيف تحافظ النقابة الوطنية للصحافة المغربية على وحدتها؟ وتظل خيمة لكافة الصحفيين؟

تأسست النقابة الوطنية للصحافة المغربية في 25 يناير سنة 1963 في غمرة كفاح وطني كانت فيه القوى الوطنية تسعى إلى تكريس حرية الصحافة والرأي ومواجهة كل أنواع التضييق على العمل الصحافي. وعانت خلال فترة الستينات والسبعينات من قمع شرس سلط على المناضلين السياسيين والنقابيين ومن بينهم مديرو ورؤساء تحرير الصحف الوطنية.

وفي إطار أوضاع استثنائية تميزت بقمع شديد صمدت النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى أن تمكنت من عقدت جمعها العام الأول سنة 1984، وفيه أتاحت الفرصة للصحافيين للانضمام إليها بشكل محدود. وفي أواخر الثمانينات قرر جيل جديد من الصحافيين بعد نقاشات طويلة خلصت الانخراط في النقابة والنضال من داخلها عوض احداث اطار جديد عن طريق تكوين فروع لها في أهم المدن.

وفي سنة 1993 عقدت النقابة جمعها العام الثاني حيث أصبحت تتوفر على غرفتين، واحدة للناشرين وأخرى للصحافيين. وتواصل العمل بهذه الصيغة في المؤتمر الثالث سنة 1996 إلى أن انعقد المؤتمر الرابع سنة 2000، والذي شكل قطيعة مع هذه الصيغة، حيث انفصل الناشرون وشكلوا بعد ذلك فيدرالية خاصة بهم. وفي المؤتمر الرابع، صاغت النقابة استراتيجية عملها، وعززتها في المؤتمر الخامس المنعقد في سنة 2004. وتلاه المؤتمر السادس سنى 2008،  وهو المؤتمر الذى كرس الخيار التنظيمي الفيدرالي للنقابة التي يحسب لها منذ بداية التسعينات والى غاية 2008 أن تحافظ على دورية مؤتمراتها، وتنويع هياكلها بانضمام ممثلين عن مختلف وسائل الاعلام.

لقد حاولت النقابة خلال تلك الفترة الحاسمة من تاريخها -عبر عدة مبادرات- تقوية أواصر التضامن بين الصحافيين ومختلف العاملين في قطاعات الصحافة والإعلام، وذلك من أجل تشكيل قوة ضغط حقيقية للوصول إلى تحقيق العديد من الأهداف خاصة منها الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام في إطار مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والنضال من أجل استقلالية العمل الصحافي والإعلامي، طبقا لقواعد المهنة وأخلاقياتها ومعاييرها ورسالتها النبيلة وصيانة وحماية كرامة الصحافيين والعاملين على المستوى المادي والمهني والدفاع عن حق المواطن في الخبر وفي إعلام نزيه ومستقل يخدم مصلحته ويسعى إلى تمكينه من تكوين رأيه اعتمادا على المصداقية والموضوعية.

وللوصول إلى هذه الغايات، فإن النقابة عملت ما بين 1993 و2008 على تطوير التنظيمية، سواء بتوسيع الانخراطات في صفوفها أو بتقوية أنشطتها وتكثيف اتصالاتها وكذلك بضبط هياكلها وجعلها منفتحة على كل الطاقات. ونجحت النقابة في أن تتحول إلى مخاطب رئيسي في قضايا الصحافة والإعلام تجاه الأطراف الأخرى المعنية بهذا الموضوع، من مؤسسات عمومية وإدارات وحكومة وقطاع خاص.

لقد شهدت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، مسارين رئيسين: مسار المواجهة خاصة ما بين مرحلة التأسيس سنة 1963 و1993، ومسار ما يمكن أن نعتبره تجاوزا مسار “الشراكة” مع تنظيم المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال في أواخر مارس سنة 1993. فميلاد النقابة كان افرازا طبيعيا للتأثيرات السياسية التي شهدتها مرحلة ما بين 1955 و1965 أي عقد من الزمن، وهو ما يؤكد أن هناك ارتباطا جدليا بين التجليات النقابية الصحفية والسياقات والتحولات السياسية .

فإذا كانت الحركة الوطنية قد أخفقت في بداية الاستقلال ( ما بين1959و1963) في المحافظة على وحدتها بفعل التوترات السياسية والحزبية، فإن أحد نجاحات الأحزاب المكونة لهذه الحركة، تمكنها من أن تتجاوز خلافاتها وصراعاته، وتراهن وتختار التكتل، فكان تأسيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بداية ومؤشرا على تحقيق هذا الهدف حيث كانت أول إطار لتجميع أسرة الحركة الوطنية، وفي ما بعد كانت لبنة لتأسيس “الكتلة الوطنية” في سبعينات القرن الماضي وبعدها ” الكتلة الديمقراطية ” في بداية التسعينات.

فالنقابة وأن تأسست بهدف معلن، تمثل بالخصوص في مواجهة بقايا الصحافة الاستعمارية الفرنسية التي استمرت في الصدور حتى بعد نيل الاستقلال، فإن الأهداف المضمرة، كانت ترمي الى جعل هذه المنظمة الاعلامية أداة في الصراع السياسي لمغرب الستينيات، الذي كان فيه العمل الصحفي موجها أساسا، نحو خدمة العمل الحزبي.

لقد اعتمدت النقابة في مرحلة التأسيس، على صيغة برغماتية، تنطلق على ما يظهر، من فكرة أنّ الخصم المشترك، لا يمكن أن تقاومه صحيفة بمفردها وبمعزل عن الصحف الأخرى، وهي الصيغة المقبولة التي دفعت خصوم الأمس السياسيين والنقابيين ( حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين) إلى تجاوز خلافاتها والتوافق على تأسيس نقابة للصحافة المكتوبة سنة 1963.

وتمثلت المهام المستعجلة للنقابة ما بين 1963 و1984 في الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير، مع غياب شبه تام للجانب المهني وحضور واضح للهواجس السياسية وغياب الاهتمام بالوضعية المهنية والاجتماعية للمحررين (الصحفيين)، الذين كان ينظر إليهم في هذه الفترة كمناضلين. وتبعا لذلك، ظل مفهوم العمل النقابي في الميدان الصحفي، الغائب الأكبر في أداء النقابة، وهذا ما يمكن تلمّسه، أيضا من اختيار تسميتها بالنقابة الوطنية للصحافة المغربية، عوض نقابة الصحفيين.

وتلخصت انشغالات النقابة خلال هذه المرحلة في المطالبة بالإصلاح السياسي والدفاع عن حرية الصحف، وضمان الحقوق الجماعية، وهذا ما اتضح جليا في أدبياتها ومواقفها وبلاغاتها. وظلت بذلك قناة لتمرير الخطاب السياسي المعارض، ولم تشكل في المقابل إطارا مهنيا حقيقيا للتعبير عن تطلعات الصحفيين. فتأسيس النقابة كان في حقيقة الأمر رد فعل على ما كان يعتمل في الوسط السياسي لتأطير الحقل الاعلامي، مما جعلها ذراعا حقيقيا لمكونات الحركة الوطنية أثناء تحولها من المشاركة في الحكم من بعد الاستقلال، والى غاية 1963 سنة قرارها الخروج الى المعارضة.

إلا أن النقابة كانت أيضا آلية للتصالح والتوافق والتنسيق بين حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والهيئات النقابية والاجتماعية التابعة لهما بالخصوص بعد صراع شرس بين الهيئتين السياسيتين دام نحو أربع سنوات من 1959 الى 1963 سنة ميلاد النقابة. ورغم ذلك، تمكنت النقابة خلال هذه المرحلة من المحافظة على وحدتها التنظيمية، وهو ما ميزها عن بقية الهيئات النقابية التي تأسست في إطار الأحادية، وتحولت إلى التعددية نتيجة الانشقاقات المتتالية للأحزاب السياسية.

وإذا كان تطوّر الممارسة السياسية بالمغرب، خلال المرحلة الممتدة من 1984 إلى غاية سنة 1993، أتاح الفرصة لتطوير هياكل النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بانضمام إلى جانب الصحف المؤسسة صحف أخرى كانت تابعة لأحزاب تواتر الاعلام على تسميتها بالأحزاب الادارية، وبروز قضايا ومطالب مهنية جديدة، أفرزها التطور، الا أنها حافظت مع ذلك وإلى حدود سنة 1993 على هيكلتها كتنظيم فوقي يضم الصحفيين المديرين فقط، غير أنها ستعرف بعد ذلك تطورا وتحوّلا هامين، ترجم في التعديلات التي طالت قانونها الأساسي، تم بموجبه تشكيل غرفة لمديري الصحف، وأخرى للصحفيين.

وبرصد اتجاهات الحركة النقابية بصفة عامة وما ميزها منذ تسعينيات القرن الماضي، نزوع النقابات المغربية نحو طابع التكيف والحوار، عوض الصراع والمواجهة، التي طبعت أسلوبها في التعامل مع السلطة، ومن تم بدأت في التفكير في إيجاد صيغ للحوار مع الدولة. واعتمدت بدورها الصحافة نفس المنظور الذى تحكم في المركزيات النقابية المغربية، وذلك عبر القيام بمهامها، وبلورة مواقفها اتجاه قضايا الصحافة والصحافيين، انطلاقا من محددات، تراوحت من جهة بارتباطها بمرجعيتها التاريخية، وبمدى استقلاليتها اتجاه الدولة وبالأحزاب السياسية وجماعات الضغط واللوبيات الاقتصادية والمالية أيضا.

وفي ظل هذه التحولات يطرح موضوع استقلالية نقابة الصحافة عن العمل السياسي وخاصة الحزبي، يلاحظ أنه رغم التطور الحاصل على مستوى بنيات النقابة، فإنّ الانتقادات التي كانت غالبا ما توجه لها خلال المرحلة الممتدة ما بين 1963 و1984، بكونها تابعة لأحزاب سياسية ومعبرة عن آرائها استمر وان كان بدرجات متفاوتة من حقبة الى أخرى.

كما يلاحظ أن الجمع بين المهام القيادية الحزبية والنقابية، غالبا ما يؤثر على استقلالية الفعل النقابي الصحافي ودمقرطته، وتفقد النقابة بالتالي القدرة على ترجمة التطلعات الحقيقية ليس فقط لمنخرطي النقابة ولكن لأسرة الصحافة والاعلام ويؤثر ذلك على مواقف وتوجهات المنظمة الصحفية، وهو ما يطرح حدود التماس والارتباط مع الفاعل الحزبي، وإشكالية الاستقلالية.

ومن ذلك فإن الخلافات والصراعات الداخلية التي عرفتها بعض الأحزاب المشاركة في حكومة “التناوب التوافقي”، ما بين 1998 و2002 خاصة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي قاد هذه التجربة، أرخى بظلاله، على مواقف وقرارات النقابة الوطنية للصحافة المغربية من هذه الحكومة التي بدورها تأثرت في تعاملها وسلوكياتها تجاه التطورات السياسية.

إلا أن نقابة الصحافة تمكنت، أن تحافظ على وحدتها التنظيمية، مما جعل ذلك يشكل تجربة متفردة في الحقل السياسي والنقابي والحقوقي الوطني، بعد أن حققت انتقالا سلسلا على مستوى بنيتها القانونية والتنظيمية، بعد أن وقع التحول من نقابة  لمديري الصحف الى نقابة للصحفيين منذ سنة 2000. وعلى صعيد آخر تميزت العلاقة بين نقابة الصحافة والدولة، بصفة عامة بتوترات طبعتها لحظات تراوحت بين الصراع والانفراج، وهو ما أدى إلى خلط شديد بين الحقل الصحافي الاعلامي والحقل السياسي إلى درجة يصبح معها من الصعوبة- في كثير من الأحيان- التمييز بين الحقلين، وتلمس بالتالي نقط الالتقاء والتباعد بينهما وخصوصية كل طرف منهما.

وتمكنت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، من جهة أخرى، تعزيز حضورها، كمخاطب مقبول لدى الدولة في قضايا الصحافة والإعلام مركزيا، غير أن أداءها على مستوى الجهات ومؤسسات الإعلام العمومي والصحافة الجهوية والخاصة، لم يرق إلى كافة تطلعات الصحافيين وملاحظة بعض ملامح الضعف، في التواصل بين النقابة، وبين مكونات من الجسم الصحفي والإعلامي. وتركز النقابة الوطنية للصحافة المغربية على علاقتها مع الحكومة عبر وزارة الاتصال، والاكتفاء بردود الفعل على ما يطرح في الساحة الإعلامية، خاصة ما يتعلق بقوانين الصحافة، وهو ما يعيق إبداع مبادرات جريئة كفيلة بتعزيز قيم التضامن والتآزر بين الصحفيين.

وبالرغم من الدينامية التي خلقها الحراك الشبابي في 20 فبراير 2011 والمقتضيات الدستورية في مجال الإعلام، فان تجاوب النقابة الوطنية للصحافة المغربية مع هذين الحدثين، لم يترجم الآمال العريضة التي كانت معقودة على نقابة تشتغل في قطاع الصحافة والإعلام، وهو ما كان يتطلب أن يشكل مناسبة وفرصة لها لتجذير دورها، حتى تكون أكثر تأثيرا في السياسات العمومية في مجالات الصحافة والإعلام والاتصال.

فتطور النقابة الوطنية للصحافة المغربية التي تركز في التواصل على الوسائل التقليدية في مقدمتها إصدار البلاغات والبيانات، يرتبط أشد الارتباط بمدى تمكن الإعلام المغربي من فرض استقلاليته المهنية الفعلية عن كافة أشكال التأثير السياسي والحزبي والاقتصادي والمالي إذ لا يمكن عزل نقابة الصحافة عن المحيط الذى تشتغل في اطاره.

لكن يصعب فهم وسائل الاعلام فهما شموليا، بدون ربطها بمؤسسات المجتمع ونظمها المختلفة، فهذه الوسائط الإعلامية، تشكل جزء من البناء الاجتماعي، تتأثر وتؤثر بتموجات الرأي العام، وهذا ما يجعل القول بأن محددات مسار نقابة الصحافة الطويل تراوح ما بين الثابت والمتحول، فالثابت، يتمثل في الدفاع عن حرية الصحافة، والرأي والتعبير بصيغ مختلفة، أما المتحول فيتمثل في انفتاحها على الأجيال الجديدة نتيجة تطور الإعلام واهتمامات الصحفيين من قبيل أخلاقيات المهنة والدفاع عن الخدمة العمومية في الاعلام والحق في الحصول على المعلومات والحق في التكوين والنوع الاجتماعي في الإعلام.

إذا كانت هاته السطور قد حاولت رصد بعض ملامح وقسمات النقابة الوطنية للصحافة المغربية خلال فترات حاسمة في تاريخها، هل ستتمكن في ظل التحديات المطروحة على الإعلام والجسم الصحفي في زمن الثورة الرقمية والتحول الديمقراطي، أن تحافظ على دورها التاريخي والوفاء في نفس الوقت لمسارها ولأجيال المتعاقبة على تسييرها (جيل التأسيس وجيل التنظيم والتأهيل وأخيرا جيل التغيير في ظل الاستمرارية) حتى تكون منظمة للقرن الواحد والعشرين، وهذا هو ما يحذو كل من عاش هذه التجربة المتفردة التي تمكنت من مواصلة الصمود وسط الأعاصير، وأن يتمكن بالتالي المشاركون في مؤتمرها المنعقد ما بين 21 و23 يونيو بمراكش تحت شعار “حرية الصحافة وأخلاقياتها أساس المهنية”.من النجاح في تحقيق ولو جزء ولوكان يسيرا من ذلك، ومنها أن تظل النقابة الوطنية للصحافة المغربية تحافظ على وحدتها وتظل خيمة لكافة الصحفيين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة