اخبار بسمةالسلايدرممنوع على النساء

إعدام ذاكرة

وصية مكتبة تغادر الفضاء

 

 

عزيز أوزان

بالصدفة التقيت غروب الشمس، وأنا أعبر شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، وبالضبط أمام ما كانت تسمى قيد حياتها، “مكتبة فارير”،، كانت المكتبة تلفظ آخر كتبها، كأني بها في ولادة عسيرة، حيث كان شخص يجر علبات الكارطون بكل ما أوتي من قوة ليخرجها من رحم تلك المكتبة المسكينة. ..

وقفت للحظات أمام هذا الصرح الذي كان،، وأنا أسافر عبر الزمن، سنوات طويلة خلت، من يوم كنت طالبا بالجامعة،حيث أجد متعتي وأنا اقتني كتيبات مجموعة ‘ماسبيرو’،، خاصة، لأن الكتب الأخرى، كانت باهظة الثمن على ما كان بجيبي وجيوب كل أصدقائي، فكنا جميعا نجد نشوة كبرى، في التمتع بلمس تلك الكتب ذات الدفتين الملساء، واللتين تشعين بألوان قل ما نشاهدها في واقعنا المعاش آنذاك، وكان عزاؤنا جميعا أن نقرأ بسرعة ظهر الكتاب لنحفظ اسم الكاتب و أشياء عن كنه الكتاب تزيدنا حماسة عندما نلتقي أقراننا لكي نصارع كل ما بجعبتنا أمام ما قد يلقيه أمامنا من هم أكبر منا فكرا وسنا وفتوة…

بعد ذلك سافرت في لحظات أخرى نحو المستقبل لأقابل السيدتين اللتين كانتا تشرفان على مبيعات الكتب، إحداهما كانت سمينة المنكب، والثانية رحمة الله عليها، كانت نحيفة.. فسميناهما آنذاك “بلوريل وهادي” تيمنا بالثناءي البريطاني …

وقد جاءني في سفري عبر الزمن هذا، السي قدور رياض، رحمة الله عليه، مهندس من الدفعات الأولى من خريجي المدرسة المحمدية، رجل له قامة طويلة، تقارب المترين، له لكنة بدوية في نطقه العربي، كما في في نطقه الفرنسي والانجليزي..كان يثقن لغة موليير و شكسبير بالرغم من نطقهما بلهجة منطقة “مزاب” التي كان يفتخر بانتمائه لها…

قبل أن أعود لمكتبة “فارير”، لابد أن أشير للسي رياض الذي كان مديرا لي، وكان من الشخصيات التي عرفتني أكثر بالمكتبة، كان جهبيدا في معرفته لعمله التقني، حيث كان من الذين يعطون الفتاوى في استعمال زيوت المحركات كيفما كان نوعها.. سيارات، بواخر، طائرات، وشتى معامل مختلف الصناعات،، صراحة تعلمت منه ومعه – أنا ابن الشعر والأدب والفكر الأدبي والسياسي- قواعد البيانات العلمية، والمعادلات الرياضية و الثوابت الكيماوية للأشياء… كان السي رياض، يطلب منا، عندما نغادر العمل ونهم بالانصراف لغاياتنا، يطلب منا، وهو من لا يطلب شيئا طيلة ساعات العمل، بل كان يصدر أمرا يوميا لتفيذ ما كان يراه مناسبا لحسن سير عملنا…كان السي رياض،يطلب منا أن نرافقه للمكتبة، وأن نعطيه رأينا في ذاك العنوان أو في ذلك الكاتب…وكثيرا ما كان يأخذ برأينا، وكنا فرحين، ونحن ثلة قليلة، باستشارة المدير لنا، كأننا ندرك انه- بالرغم من قسوته لنا طيلة اليوم- كان يحترمنا ويستشيرنا وهو ما يعني ضمنيا أنه يعترف بقيمتنا كمثقفين، لديهم رأي، رغم التعامل القاسي، وما يفرضه التدرج الإداري الذي لا يرحمنا طيلة اليوم….

نعم، كانت مكتبة “فارير”، مزارا يستقطب كل مثقف مغربي، وكل مهووس بالقراءة والمعرفة، وفضاء يحمل كل الأطياف مهما كان اختلافهم غربيا كان ،مغربيا أو مشرقيا….

كانت مكتبة “فارير”، زاوية لها موريدن، وظلت لسنوات كذلك يزورها  القراء والنقاد….

إلى أن حلت الكارثة…وغابت المكتبات وعها متعة القراءة والكتاب،  وغزت المكاتب الإلكترونية كل مكان، والناس في بلدي أصبحوا لا يفكرون إلا في ما يأكلون،ولا يهتمون بالقراءة إلا بما تحمله لهم وسائل التواصل الاجتماعي..

اه اه اه اه اه اه…. لحظات كانت بمثابة العمر كله، مرت أمامي وأنا أمام مكتبة تلفظ أنفاسها الأخيرة، …تألمت كثيرا، وحزنت ليس فقط لفناء مكتبة رشمت ذاكرة الدار البيضاء، ولكن لميلاد عالم “الفراشة” يؤثث الفضاء صياحا بأثمنة ملابس داخلية أو جوارب رخيصة، كأن آدم ،عليه السلام، سيبعث من جديد قرب هذا المكان ،وهو في حاجة لستر عورته، وكأن الساعة كانت لإعدام كل من حمل قنديلا كان يظن أنه يضيء الطريق للأجيال القادمة وتمرد على إحصائيات المنظمات الدولية، التي تكن الحسد والبغضاء لكل بلد يقاوم الأمية والجهل البنيوي بتعليم مواطنيه….. …بئس المصير…

تركت المكان،وانصرفت لأشياء أخرى قد يأتي وقت آخر لإعدامها…. في انتظار ذلك، طلبت من النادل أن ينضف الكأس جيدا قبل أن يسألني عن اختياري….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة