اخبار بسمةالسلايدر

مقاربة موضوعاتية لسيرة حمار للمؤلف حسن أوريد بين المقدس والمدنس

إنجاز الدكتور الغزيوي أبو علي

دة: بن المداني ليلة (فاس)

مختبر اللغة والفكر

 

 

إذا كانت العناوين تتحدد باعتبارها تفكيرا في الغير، وتساؤلا ينشأ علاقات مركبة ومتداخلة، تطرح المؤلف مفارقات أنطولوجية ومعرفية ولا تتسم بالتعقيد وتتداخل فيها مستويات عدة منها ما هو ذاتي، وما هو زمني، والذات المبدعة تتمدد في الزمان التاريخي كضرورة تفرضها القوانين البيولوجية والنفسية والاجتماعية، فإن المؤلف يفصح عن جنس مؤلفه في الغلاف، وعلى الصفحة الأخيرة، متخذا العنوان فرعا يقيد جنسه ودلالته، كما وسمه بالسيرة على لسان حمار كإشارة إلى إمكانية وجود مظاهر رمزية، وخيالية، لأن هذه السيرة هي برنامج لإعادة بناء وجود الحياة على امتداد زمكاني قد يطول أو يقصر، فحسن أوريد جعل سيرة حمار كاعترافات جان جاك روسو لممارسة متصلة بحياة الفرد، وما رآه الحقل الاجتماعي من تطورات وانتكاسات. فالعنوان جاء كبنية اسمية فيها أحداث، ومعطيات رغم غياب المبتدأ (الفاعل) وهو ما يمكن أن يحفزنا على التوقع والافتراض، من هنا يمكن أن أقول إن العنوان سردي ووصفي حيث لا يقتصر على العموميات، بل يعتمد على وجه التخصيص (الحمار) أما دلاليا فهو دال على الحمار باعتباره الفاعل في كل عملية إبداعية، تشاركية أو تجذيبية، أو استفزازية، كما يقول جان كوهن في كتابه بنية اللغة الشعرية ص 49.

أما من الناحية الوظيفية فإن العنوان يتخذ وظيفة بصرية، لأنه كتب بلون مميز، يحمل دلالة البصرية المطلوبة. أما الوظيفة الموضوعاتية فهو عبارة عن سيرة مقننة بمدلولات لا تترك أي أثر قرائي بسيط يخترق مقصدية المؤلف.

إذا كان العالم كإرادة وكتمثل فإن فقد المؤلف يدعون إلى اكتشاف هذا التميز بين الظاهرة الشيء في ذاته، وهي نفس الصورة التي عرضها أفلاطون في أسطورة الكهف، وأن هذا العالم الذي يظهر لنا كحقيقة ليس حقيقة، بل هو صيرورة دائمة، ومن ثم لن تكون هذه الحقيقة إلا وهما، كما يكون هو نفسه لكن المؤلف يجعل من هذه الكتابة حقيقة وعبارة عن تمثلات في الزمان والمكان، فالهوية التي عملها المؤلف وفق هذين المعطيين لا يتم تعيينهما وعزلهما عن بعضهما البعض، لأن معرفتنا حول الحياة تظل مرتبطة بالمعرفة التي تبدو منظمة قابلة للفهم والتفسير، فالمؤلف يميز حقل وعينا، وهو الذي يجعل من عالمنا موضع الحقيقة في نظره، وبتعبير آخر فحسن أوريد يبني إرادة جوهرية التي تشكل الوعي الممكن الذي يوجد وراء الظواهر، ووراء الأفعال الإنسانية البسيطة، وهذه الرؤيا هي عبارة عن إرادة شخصية عاقلة وإرادة وإبداعية، وقوة التي تدعونا إلى الإشراطات والقواعد التي تجعل من العالم رؤية مفتوحة وقابلة للتأويل، فالمؤلف يريد أن يعيد الأسئلة عما هو غائبة في النص السوسيولوجي المغربي، والعربي، فهذه الأسئلة تتطلب قراءة نقدية لمدونة هذا النص، لكن هذا المشروع “سيرة حمار” يحمل افتراضات بدوره رمزية بشكل مفارق، حيث يستحضر أنساق رمزية تتفاعل لإنتاج مجتمعا رمزيا، الذي هو مجتمع ثاني، ففيه يبحث أوريد عن ذاك الذي ترسمه الخرائط المعرفية فيغوص بنا في الوجدان الإنساني لينطق فيه كل شيء عبر العلامة والرمز.

إن هذه الإشكالية هي مقاربة تحاول ربط التاريخ بمجال التمثلات، مع التمييز بين مكتسبات المعرفة التاريخية في قصد الدراسات التاريخية، وبين مدلولها المستند إلى مختلف التشكيلات الجماعية المتنازع عنها وحولها، وكذا حضور الذاكرة المجالية بين الهوية المغاربية، على أساس أنه يكون هذا المقترح الروائي هو التوحد بين التاريخ كمعرفة، وكذاكرة، وبين تمثلات المجتمعات الحداثية والمعاصرة.

فالمؤلف في سياقه الواقعي والموضوعي جعله يبني مجموعة من البؤر والأنوية التمثيلية من أجل وإبراز التناظر بين الشخصيات التي جعلت من هذا التوحد أبرز أركانها على الإطلاق، لكن هذه العقيدة المثالية لم تستطع أن ترتسم في الواقع، بل تتواصل الصراع لدعم التصورات القوة والفعل لذا يبقي أذيال وحيدا يشكل شخصيته من أجل تجاوز حالة الانكماش التي عاشها وعاينها خلال المراحل الأولى من حياته، وهذه الصرخة هي استنطاق عدد من الوقائع المتصلة بالذاكرة، السياسية التي حوتها المصادر التاريخية القديمة، لأن حسن أوريد أراد أن يوازن بين خطابه الذاتي، وخطاب الجماعة من أجل مساءلة التاريخ، والذاكرة، والمجتمع.

لكن بقي يتأرجح بين إعلاء الإنكار وبين الاعتراف بهذا التأرجح دون إحداث الانقلاب على الشروط الشكلية الناضمة للتحرير في هذا الجنس الروائي، إن أذريال في استرجاعاته لهذه الأفكار باعتبارها الحقل الميتوسي في أصله، وأساسه تعبير عن رؤيا تقدم نفسها باعتبارها أكثر إنسانية وأكثر جرأة وحيوية وأكثر هرمونية.

وتبعا لسنة التطور وقانون الممارسة الإبداعية، فإن هذه الكتابة عنده تنتصر للرؤية الأبولونية وتعيد قتل دبونيزوس بارتباطها بإنسانية الإنسان والرؤية الواقعية الحقيقية للوجود، وهي كلها إيحاءات رمزية تنأى بنفسها عن أن تكون رؤية مثالية. وهذه النبرة التدوينية التي يتصف بها أذربال هي تحطيم لكل الأقايم الفاعلة في الساحة “الأدبية” وجعل التطور الثقافي كمشروع من أجل إقامة توحد إنساني يستمد أسسه من الذاكرة والتراث وانتظارات الإنسان المغاربي معتبرا أن سيرة حمار ليست إلا التعبير الرمزي عن تجربة المثقف العضوي الذي يرتبط بالكائن وبالممكن لبناء قارة إبستيمية جديدة تنظف إلى قارات العالمية، وهذا التكريس الجديد هو تأصيل لتحولات أذربال من الموقع الأمري – إلى نزعة حيوانية ترى قوتها في خلق رجة فكرية فنية في الإبداع الروائي، وهذه الخلخلة البنيوية في الكتابة جعلها لا تقف عند بعض الكتابات المرتبطة بالموسمية، أو الموضة، بل هي اقتحام عالم التنظير الواقعي لتأسيس جمالية رؤيوية، فنية مستقلة عن الهيمنة الغربية وتجذيرها في التربة الإنسانية أي التفكير في تأسيس ماهية الإنسان مستقل عن الهيمنة الأسدية، قاعدته هي هوية وتراث وتاريخ الإنسان، وغايته تحقيق تواصل بين الإنسان من أجل الإنسان بواسطة الإنسان.

فحسن أوريد يحاول أن يعيد تحديد بعد المسافة المشتركة، كبعد سياقي اجتماعي يقرأ الواقع وتسيجه كمفكر أنتلجنسي يشق تربة الإبداع نحو الخروج من هذا الحدس المشترك لبناء المعرفة والنقد، فهذا التحرك الثقافي جعلنا نحس برؤيا يتعداها الغموض في الأنساق الرمزية وما تحمله من تفاعلات تناصية سواء على المستوى الخارجي (المؤشر) أو الداخلي (الجواني)، لأن فعل الكتابة هو تحول دلالي وتمثل اجتماعي، يقربنا بحمولاته بمعان متنوعة فرضتها جغرافية الزمكان وأوضاعها الراهنة.لأن حضور الذات في هذا الخطاب السير ذاتي هو حضور في العالم الخارجي، وفي المجتمع، نجده يخوض في علاقاته الأبوية والغير الأدمية صراعات ماهوية لا تتأسس على الغياب الأنطولوجي بل تحضر كقوة، وكفاعل لتتيح للقارئ معرفة الصورة التي يحملها أذربال عن الناس والوجود.  ويقول في هذا الصدد “لم أعلم بالأمر إلا ليلة المبارزة فكرت في الأمر طويلا، فمبارزة حمار الأسد تعني نهاية الحمار وأي حمار يقوى على أسد، أكان ذلك وسيلة صاحب السرك ليتخلص مني؟ كان يكفيه أن يبيعني 100 إن إدراك الآخر هو جزء من إدراك الذات وعدم تلاشيها وهي صراع بين الإقدام والإحجام، وبين الرغبة وعدم اليقين، لذا نراه يحلم بالشبقية النرجسية، والشبقية الأداتية من أجل الوصول إلى محراب اللذة الأنطولوجية فأحسن جسده ينمو في كنف الجهاز النفسي مشكلا عالما مثاليا، كمثالية الأنا، تتيح له الحفاظ على عفته بطريقة مرضية على حسب النفس وليس الجسد ويقول في هذا المقام “ونهنا وجسدي بمحاذاة جسدها، وأيقنت أن طور الحيوانية ليس شرا كله إن سكنته الأحاسيس وارتقت به الحكمة” ص 84 ويقول أيضا “فكرامة الحيوان أغلى من أن تشترى، أنت تراكم أنك تملك جسديهما ولم حين بيعا، وقد ملكت جسديهما ظلما ولكن لن تملك روحيهما” ص 84. فمحاولة حسن أوريد هي إقامة فلسفة تجريبية تقارب بين الجسد والروح جاعلا من هذه الثنائية استراتيجية التي من خلالها نحس أن كل شيء يكون بالفعل ولا يكون شيء بالقوة كما يقول جان بول سارتر في كتابه “الوجود والعالم”. لأن وجوده لا يسبق الماهية، فوجوده في ذاته ولذاته،لأنه عقلاني وليس منفصلا، ولا مقصيا، بل هو ثبوته وإقراره هو استمرارية لهذه الذات التي تصارع من أجل البقاء “يريدونني جمارا مثلهم أكتفي بالأكل وبالنزو تعبت ويئست وأظلمت الدنيا في عيني” ص 106.

فانطلاقا من هذه القولة نرى أن نظرية الوجود عند أذربال هي الوجود الإنساني على وجه التخصيص وليس التصميم، لأنه بنى وسائطه برؤية مع نفسه، لأنه هو السيد والمهيمن في هذا الجنس الإبداعي، فهو منبع الوجود، ولا العدم، حاملا لوجوده في داخل ذاته بوعي وبحرية، ويميله نحو الآخر، لأن هذا الوعي ليس وعيا تأمليا كما حدد عند المدرسة تأمليا كما حدد عند المدرسة الظاهراتية (هوسرل) بل هو وعي انشطاري، بين ما هو كائن، وما هو ممكن، جلي في حالة الحرية ويقول في هذا الصدد “أما كان جريا أنه أظل برفقة دونا حيوانا معززا مكرما، ………….. عليه وتعطف يأتيه طعامه رغدا بلا كلل ماذا جنيت من هذا الخيال الصعب” ص 114. فحسن أوريد استطاع بهذا الاختيار أن يعدم ماضيه (الحيواني) ليكون إنسانا بالضرورة وبحكم التعريف، لأن ماهيته كما يقول في ص 120 – 121 – 122 تتمظهر في العدم بل في حالة الانوجاد الماهوي الذي هو عين الوجود في الموجود، فالحرية التي يطلبها تنكشف في الخروج من الحيوانية إلى الإنسانية وهذا الانكشاف هو فعل الوعي بالوجود المخصوص، وهو الذي يصنع نفسه بنفسه ص 126، باعتباره إنسانا يحمل وعيا ممكنا يحاكم الإيديولوجيات الارتودوكسية، من أجل فهم الآخر الجوهري الإنساني لأن الإنسان ليس موجود جنسي، بل هو إدراك، ومعرفة، ووجود، وعقل وسعي كلي لجعل الآخر إنسان …………. والإفهام، إن المؤلف لا يهدف إلى السيطرة من حيث هو حرية ومن حيث تملكه للمعرفة، بل هدفه أنه لا ينتهي هذا الإنسان إلى الفشل، لأنه وجد من أجل الجماعة وليس وجود من أجل العدم كما يقول سارتر والوجوديين، فهذه النزعة الإنسانية رغم موتها فلسفيا (حسب فوكو)، فإن حسن أوريد يريد أن يقدم هذا الهامش الموجود من أجل ذاته أي أن يختار ذاته بذاته بالكيفية التي يبني بها وجوده الاجتماعي فالذات رغم الضغوط الخارجية فإنها تمكنت من بناء الأنا الكوجيطي التي تنفصل عن أصلها لا في حالة الحلم، ولا في حالة الولادة النصية، وهذا اللاتمفصل يقودها إلى وحدتها وكليتها دون التعارض بين الأصل / والغير، وبين البعد الأيروسي (الحب) والثاناتوسي (الموت)، إنها نهاية لبداية، وتعرية للنص المحجب قصد معرفة الأنا الكليانية الممكنة التي تقوم بتوحيد كل الأطراف الأخرى، لأن هذه الإنتاجية الإبداعية هي خطاب يتم تثبيته بواسطة الكتابة كما يقول بول ريكور Du texte à l’action P 56.

ويقول في هذا الصدد: وإذا أن إنسان من جديد، حركت يدي من جديد لأتأكد، رقعتها لوجهي، فإذا هو وجه إنسان بحيث بين فخذي، فإذا عضوي ليست تلك الأداة الضخمة التي كانت ترهب خصومي، نظرت إلى جسدي فإذا هو يحمل ندوب مرحلتي الحمارية حيث مبارزتي للأسد إنسان أن يولد من جديد” ص 119.

فهذه العلاقة التي يقيمها المؤَلف مع الأنساق الدلالية في متخيله، سوف يحدد السجل المناصي بكيفية جوهرية، لأن طبيعة هذه العلاقة هي التي ستجعل المعايير والقيم الخارج نصية مندمجة في لعبة الكتابة ويرى المؤلف أن هذا النص الكبير لا يتموقع بالبعدية إلى واقعه الخارجي الخام، بل يتموقع بالنسبة إلى الأنساق الداخلية الذاتية في عصره، باعتبارها نماذج فكرية وشاعرية لفهم هذا الواقع وتأويله، حيث أن كل نسق إبداعي هو تفسير اختزالي وانتقائي دينامي لتجربة العالم، إذ يعرف مجموعة من التناقضات والانكسارات الغير المعيارية، وسلما خاصا من القيم الاجتماعية والانتظارات الممكنة، وسوف تتجلى هذه التناقضات في شكل أنساق من الإمكانيات الدلالية الغير الثابتة، في مقابل مجموع الإمكانيات الدلالية الأخرى لفهم الوجود المغربي والمغاربي، والعالم. لأن النسق الوجودي يصبح قابلا للتفكيك عن طريق إعطاء الأولوية لهذه الذات المتسربلة من بداية إلى نهاية (وجود الأسرة) وموت الأب، وحضور الأم).

فالمؤلف هو الذي يفرض شروط إبداعه وفهمه، وتأسيس معناه، لأن سيرورة التشتيت لن تكون انعكاسا لعادة الكتابة الثابتة، في الفهم والإدراك، بقدر ما تكون محوا لهذه العادات السائدة وكشفا عن عجزها، إنها لا تسمح لنا بإدراك الوجود الذاتي المتعالي كوعي به، بل تحكمه الفرصة لتجاوزها في اتجاه بناء تجربة جديدة التي لم يكن الحمار الأدمي أن يحياها رغم هيمنة الأفكار الرمزية التي توجه الفهم، والإدراك، هكذا عمل حسن أوريد في نظري على منح لهذه الذات المرآوية الفرصة لتجاوز الصور المنمطة، وتهيئ شروط بناء الذات المخالفة للذات القارئة المحنطة. كما انتقدها أدورنو وأعلام مدرسة فرانكفورت في (نقد الإيديولجيا) فهذه الأخيرة تفترض في …………………….. على القيم والمعايير الجماعية والجمالية، لكن المؤلف اضطلع بهذه الوظيفة الإبداعية التي تجعله يحاكم السائد، لإقامة رؤية جديدة داخل المكون الكتابي الإبداعي، وهنا يكمن سر البعد الجمالي الذي يصاحبه البعد الموازي لهذه الذات المنشطرة، لذا عمل حسن أوريد بطرح الأسئلة التالية:

– ما سبب إيذاء الجسد؟

– هل للجسد طقوس مقيدة؟

– وهل هذا السلوك يؤلم الآخر؟

– كيف تعيد بناء ذاتك في غياب الآخر؟

– ما أنواع الاتجاهات الإنسانية الصالحة لهذه العالم؟

– ما دور المثقف في هذا المجتمع؟

– أي دور للثقافة في تنمية الجسد؟

– كيف أتقبل الآخر في غياب الذات؟

– كيف نتجاور البعد الذرائعي والوثوقي في بناء الذات؟

– كيف نتواصل قيما بيننا؟

– هل المحو والإقصاء هو شعار الإنسان أم أن التواصل هو السبيل الأوحد؟

فهذه الأسئلة التأويلية تهدف إلى إقامة قراءة مضاعفة لتأسيس نصا معلقا بأجوبة مفتوحة، تقرأ في علاقتها بالعالم، فهي ممارسة دالة كما يقول رولان بارت في كتابه The oue du texte  P 371 فهذه الممارسة حسب المؤلف هي تغيير أفق المتلقي، حيث لا يتوقف عن الاشتغال قصد التفثيتبل ليمسرح الدلالة مكن أن تولد نصا مضاعفا ومغايرا يتقاطع فيه منتج النص وقارئه (S/Z) رولان بارت ص 9. فحسن أوريد قدم لنا قانونا محضا لهذه السيرة نفسها إنه بذلك جعل سلطة المعرفة مطابقة لقانون القول المرتبط بالجسم الاجتماعي جله، فهذه التقنية هي أكثر فعالية وإصابة لمخاطبة الذات المقاومة، ابتداء من الحيوانات المجرمة والمكلفة بالمهمات من طرف البائع والشاري، وصاحب السرك وكل من يملك حس التملك، حيث أن هدفهم هو العقاب النموذجي لهذا الحمار الأدمي، لكن هذا العقاب ما هو إلا سيد الحقيقة المضمرة، والمحتجبة كما يرى هيدجر، لأن البحث عنها هو البحث عن دور ضمير الجماعة ووضعها التاريخي، لأنه يحمل وعيا نقديا ورؤية أخلاقية وسياسية يريد أن يكون هو حامل هذه الصورة في صيغتها الواعية والمكتملة. في هذا السياق سيكون الحمار الأدمي هو الوجه الساطع الذي يحوي الممارسة والنظرية، والحقيقة، والزيف، لكي يعتر على “المثقف الخصوصي بمقابل المثقف الشمولي” حسب تعبير ميشل فوكو في كتابه “نظام الخطاب” ترجمة محمد سبيلا ص: 86، فدلالة المؤلف تمكنت من إعادة النظر في وجه الكتابة التمايزية، والذات الحرة الفاعلة في استنهاض التراث لأنه عبارة عن إنتاجية ثقافية، مؤطرة ضمن إنتاجات فكرية وسياسية فهو فضاء تشكيلي يربط بين المعنى والمبني، ويواصل بين البعد التاريخي، والاجتماعي، والأنتربولوجي، فالكتابة عنده هي تعرية للسائد وزرع الاختلاف في الائتلاف، والوحدة في التعدد، وبحث في الكائن لمعرفة الممكن، إنه ضد اللغة كمعطى اجتماعي وضد الأسلوب كبعد تنميطي ومعياري، فهذا الضد هو عبارة عن جدلية تربط الكتابة باللغة، وبالأسلوب، وتعيد لهذا المؤلف “شعريته عن طريق الحرية، وفي الأخير أتمنى أن تتيح لي الفرصة لدراسة المتون كلها دراسة موضوعاتية وأشكر الأستاذ والشاعر محمد بلمو الذي شجعني لأمتطي صهوة المستحيل، وأنبس في طبقات هذا الطود العظيم لمعرفة ترسباته الماضية والإبداعية الممكنة لأن المؤلف ليس بصدد كتابته (كما يقول بارت) ص 122 أما القراءة الثانية فيمكن قبولها Le recevable فهو النص المسلح بالفكر والمنتج باستمرار خارج مشاكلة الواقع، هذا المؤلف المسلح بالفكر، لا يمكن اختزاله، لأن الكتابة لعبة تحكمها قواعد كما يقول فيتغكنشتاين في كتابة (لعبة اللغة) إنه يحرص على الدال والمدلول، والقول والفعل.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة